مُدَوّنَةُ إِحْذَرُواْ و تَعَلَّمُواْ و تَبَيَّنُواْ

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (آل عمران:7)

كلمة إلى بقايا حاملي السلاح في جبال الجزائر، وصحرائها الشاسعة، والساحل الإفريقي.

كلمة إلى بقاياحاملي السلاح في جبال الجزائر وصحرائها الشاسعة، والساحل الإفريقي:إن الفطنة والعقل وحدهما لا يسعفان الإنسان على معرفة الحق وقيام دولة الإسلام فانتبهوا.


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ].
[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا].
[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا].
أما بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدْي هدىُ محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة.
إنّ الذكاءَ والفطنةَ السياسية لا يسعفان وحدهما الرجل -يا من غُرّر بهم، وزج بهم في حرب خاسرة شرعا وكونا- على معرفة طريق الهداية، وإدراك سبيل الحق، ومور الخروج من المسائل المختلف فيها، والاهتداء إلى طريق أهل الحديث الخلص؛ فلا بد يا من غرر بهم من طلبِ الهداية من هادي الحيارى، والحاكم فيما اختلف فيه النّاس، ولهذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا)، وهو قول المنعم عليهم في الجنة: [وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ]، فمن خفي عليه الحق، والتبست عليه الأمور، وتعارضت عنده المسائل يتوقف فورا حتى يُبينَ اللهُ له طريق النجاة والخلاص، ولا يستمر في السير في طريق الظلام والفتن والقتل والدمار، كُلَّما جدّ فيه، وأسرع فيه الخطى ابتعد عن نقطة الخلاص ومحور العودة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الصفدية (1/295): (وقد يشكل الشيء ويشتبه أمره في الابتداء، فإذا حصل الاستعانة بالله، واستهداؤه ودعاؤه والافتقار إليه، أو سلوك الطريق الذي أمر بسلوكها؛ هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).
وقال رحمه الله في مجموع الفتاوى (4/39): (وحقيقة الأمر؛ أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى، طالبٌ سائلٌ، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه ويدلّه، كما قال: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم).
وقال رحمه الله في مجموع الفتاوى (5/118): (فإذا افتقر العبد إلى الله، وأدمن النظر في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين انفتح له طريق الهدى).
وقال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في مدارج السّالكين (1/505-506 منزلة الحزن): (…فإنّ الصادق يتحرى في سلوكه كله أحبَّ الطرق إلى الله، فإنّه سالك به وإليه، فيعترضه طريقان، لا يدري أيهما أرْضى لله وأحبَّ إليه، فمنهم من يُحكِّم العلم بجهده استدلالًا ، فإن عجز فتقليدًا، فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القَدَر، ويُخلي باطنه من المقاصد جملة.
ومنهم: من يُلقي الكلّ على شيخه، إنْ كان له شيخ.
ومنهم: من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء، ثم ينتظر ما يجري به القَدَر.
وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضَى علمًا ومعرفة، فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران؛ قدموا أرجحهما مصلحة.
ولترجيح المصالح رُتَبٌ متفاوتة: فتارة تترجح بعموم النفع، وتارة تترجح بزيادة الإيمان، وتارة تترجح بمخالفة النفس، وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها، وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها، فهذه خمس جهات من الترجيح، قَلَّ أن يُعْدَم واحدة منها.
فإن أعوزه ذلك كله؛ تخلّى عن الخواطر جملة، وانتظر ما يحركه به محرك القَدَر، وافتقر إلى ربه افتقار مستنـزل ما يرضيه ويحبه، فإذا جاءته الحركة استخار الله، وافتقر إليه افتقارًا ثانيًا، خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية، لعدم العصمة في حقه، واستمرار المحنة بعدوه، ما دام في عالم الابتلاء والامتحان، ثم أقدم على الفعل، فهذه نهاية ما في مقدور الصادقين)اهـ.
إن الحقَ يا من غُرِّر بهم لا يُعرف بحمل السِّلاح، ولا بالعبارات الجوفاء التي تردد في الشوارع وعلى أوجه المواقع الالكترونية، ولا بالأماني الخاوية التي ترجى، ولا بالفتاوى المبتورة والملفقة الضالة، ولا بالتهور المقيت في صورة الشجاعة المصطنعة، ولا بالاعتماد على العقل في الفتن، ولا بكثرة الاجتهاد والأعمال، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التسعينيّة (3/926ط: دار المعارف) رادا على أبي المعالي الجويني وضربه من علماء الكلام، وإني أخالهم أذكى من ثوار زماننا: (ولكن اتباع أهل الكلام المحدث، والرأي الضعيف، وما تهوى الأنفس، ينقص صاحبه إلى حيث جعله الله مستحقا لذلك، وإن كان له من الاجتهاد في تلك الطريقة ما ليس لغيره، فليس الفضل بكثرة الاجتهاد، ولكن بالهدى والسداد، كما جاء في الأثر: “ما زاد مبتدع اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا”)اهـ.
فأفيقوا يا شباب الإسلام، فإن الأمر الذي حملتُّم عبئه أكبرُ من كواهلكم، وأعظم من أن تدركَ عقولُكم أهدافَه، والعذر عندكم أنكم فقدتم الناصح الأمين، وغدر بكم تجارُ السياسة، وصناع الإرهاب في لباس الجهاد، وباعوكم في سوق مصاصي الدماء، ثم نفضوا أيديهم منكم بعد ما حققوا مآربهم، فماذا تنتظرون بعد أن وصلتم إلى طريق مسدود؟
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في مفتاح دار السعادة (1/32): (وإذا عَظم المطلوب، وأعوزك الرفيق الناصح العليم، فارحل بهمتك من بين الأموات، وعليك بمعلّم إبراهيم).
فاتهموا عقولكم يا قوم وكونوا كسهل بن حنيف يوم الصفين، وكان مع علي رضي الله عنه حين قال: (يا أيها الناس اتهموا (وعند سعيد بن منصور: اجمعوا) رأيكم، فوالله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسهلن بنا إلى أمر تعرفه غير أمركم هذا، فاتهموا رأيكم وغمد سيفه وانصرف إلى أهله) وهذا اللفظ أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2/345 برقم 2969) وأصل الأثر في الصحيحين.
قال الحافظ النووي شارحا أثر سهل في شرحه على صحيح مسلم (12/353؛ كتاب الجهاد والسير): (أراد بهذا تصبير النّاس على الصّلح، وإعلامهم بما يرجى بعده من الخير، فإنه يرجى مصيره إلى خير، وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس، كما كان شأن صلح الحديبية، وإنما قال سهل هذا القول حين ظهر من أصحاب علي رضي الله عنه كراهية التحكيم، فأعلمهم بما جرى يوم الحديبية من كراهية الناس الصلح وأقوالهم في كراهيته، ومع هذا فأعقب خيرا عظيما فقررهم النبي على الصلح، مع أن إرادتهم كانت مناجزة كفار مكة بالقتال..).
فاقبلوا يا من غرر بهم الصّلح الذي دعا إليه حاكم البلاد وإن ظهر لكم أنه فيه هضم لحقكم، وارحلوا من بيّن الأموات ودعاة الضلال إلى معلم إبراهيم، وتوبوا إليه لعلكم ترشدون، فإني لكم ناصح أمين.
وليحذر المغرر بهم أن يكون حالهم كالقوم الذين جاؤوا الحسن البصري وسألوه في الخروج مع ابن الأشعث على الحجاج بن يوسف فمنعهم وكبح هواهم، فردوا الحق الذي سمعوه، والذي به تكون عصمة دماؤهم بنعرة جاهلية فيها الطعن في الأنساب؛ فقد جاء في الطبقات لمحمد بن سعد الزهري (م:230 ) (9/164ط: الخانجي) بإسناد حسن قال: أخبرنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا سلاّم بن مسكين، قال: حدثني سليمان بن علي الرّبعي قال: لمّا كانت الفتنة – فتنة بن الأشعث إذْ قاتل الحجّاجَ بنَ يوسف- انطلق عقبة بن عبد الغافر، وأبو الجوزاء، وعبد الله بن غالب، في نفر من نظرائهم، فدخلوا على الحسن – أي ابن أبي الحسن البصري – فقالوا: يا أبا سعيد ما تقول في قتال هذا الطاغية، الذي سفك الدم الحرام، وأخذ المال الحرام، وترك الصلاة، وفعل وفعل؟ قال: وذكروا مِنْ فِعْل الحجّاج؛ قال: فقال الحسن: أرى أن لا تقاتلوه؛ فإنها إن تكن عقوبة من الله؛ فما أنتم برادّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء؛ فاصْبِروا حتّى يَحكُم الله، وهو خير الحاكمين، قال: فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العِلْج! قال: وهم قوم عرب، قال: وخرجوا مع ابن الأشعث، قال: فَقُتِلُوا جميعًا.
قال سليمان: فأخبرني مرّة بن ذُباب أبو المعذّل قال: أتيت على عقبة بن عبد الغافر وهو صريع في الخندق فقال: يا أبا المعذل لا دنيا ولا آخرة)اهـ.

الله أسأل أن يعيد المغرر بهم إلى صف الجماعة، وأن يذهب عنهم أوهام أهل الباطل، وأن يرزقهم العلم النافع الذي به بعد الله تعالى يعرفون الضار من النافع.

 

وكتبه:
أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي.

من شبكة سبل السلام السلفية 

One response to “كلمة إلى بقايا حاملي السلاح في جبال الجزائر، وصحرائها الشاسعة، والساحل الإفريقي.

  1. أبو إبراهيم 30 أكتوبر 2012 الساعة 13:34

    كلمة إلى حركة الأزواد[azawad]، وأنصار الدين

    نأمل أن يجد الوسطاء من مشايخ الساحل الإفريقي تجاوبا من حاملي السلاح في دولة مالي، فإن بوادر الفتن والتدخل الأجنبي صار على أبواب القرن الساحلي، وهذا حتما شر كبير يصيب المنطقة، وتدخل سافر من أمريكا وحلفائها في شئون الدول المجاورة لدولة مالي، بل إن دول الكفر تسعى لاستنساخ مستنق في المنطقة شبيها بالذي في أفغانستان وتزج فيه دول المنطقة وخاصة الجزائر، لتتمكن بعد ذلك من وضع قواعدها ومنظوماتها العسكرية.

    يا أهل الأزواد جميعا [الحركة الوطنية، الحركة الشعبية، وغيرها من الحركات]، وإلى الجبهة العربية الإسلامية من البرابيش: جنبوا المنطقة حروبا تبقى آثرها لعهود طويلة. وتذهب جهودكم القديمة في إقامة منطقة إسلامية معتدلة آمنة ومزدهرة تعطي للجوار حقه وللعهود حقوقها.

    يا أنصار الدين في تمبكتو وغاوو وكيدال وأتوجه إلى قائدهم ياد آق غالي أبو الفضل [yad agh gali]، وأهل السنة والجماعة: جنبوا المنطقة حروبا لا قبل لكم بها.

    ابحثوا جميعا عن الطريق الآمن لتجنيب المنطقة فتنا عمياء.

    إن التدخل الاجنبي بقيادة أمريكا وفرنسا سيحول المنطقة إلى جحيم.

    اللهم اشهد أني بلغت.

    سأكتب إن شاء بحثا موثقا عن هذه الجماعات سائلا الله أن يعيدهم الله إلى رشدهم، وإلى العقل والحكمة.

    وكتبه:
    أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.
    في 14 ذي الحجة 1433 من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
    http://sobolalsalam.net/vb/showpost.php?p=7029&postcount=4

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: