مُدَوّنَةُ إِحْذَرُواْ و تَعَلَّمُواْ و تَبَيَّنُواْ

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (آل عمران:7)

رسالة إلى الدول الإسلامية رؤساء ومحكومين:توبوا إلى الله جميعا وحاسبوا أنفسكم، وحكّموا شرع الله حقًا إذا أردتم أن تجنبوا أوطانكم الفتن والقتل والدمار والثوارات

رسالة إلى الدول الإسلامية رؤساء ومحكومين:
توبوا إلى الله جميعا وحاسبوا أنفسكم، وحكّموا شرع الله حقًا إذا أردتم أن تجنبوا أوطانكم الفتن والقتل والدمار والثوارات:
بقلم:
أبي عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري
كان الله في عونه.


بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران 102].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:1].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
ليست الأمة الإسلامية بحديثة العهد بالنكبات والفتن والثورات، ولا هي نائية عن مناخ التغيرات والملمات، بل إنها منذ أن أشرقت نور الرسالة في ربوعها وهي هدف للعدو الداخلي والخارجي، فكأن الفتن لم تجد مرتعا خصبا سواها، ولذلك بركت في وِهادها ورباعها، وشتت شمل أبنائها، وسيرت أوديتها إلى سيول من الدماء والدموع.
إنها فتن من قتل ومناهج كفرية ضالة تندك لها الجبال، ولا خلاص للأمة منها إلا بالتمسك بدينها الذي امتلك روحها، وبه أصبحت حرة متمدنة، وبه انفردت بالسلطة التامة على البر والبحر. فالإسلام دين حنيف سمح، قابل لأن تعيش في كنفه كل نوع من أنواع الحضارات الرفيعة التي لها كتاب أو قبس من حق فما علمنا عبر تاريخنا المجيد والطويل أن المسلمين اضطهدوا الأقليات أو ظلموا غيرهم من أهل الديانات ومن ادعى غير هذا فليطلعنا على صورة من التاريخ تظهر خلاف ما قلت، بل الذي يشهد به البعيد قبل القريب أن الإسلام جاء ليطهر الأرض من: الشرك بالله، والوثنية، والبدع، والفسق، والعهر، والسكر، والعربدة، والرشوة، والظلم، وسائر الرذائل، التي يعترف النصارى واليهود وأصحاب الفطر السليمة وإن توسعوا فيها ببلادهم بأنها رذائل وقاذورات، وليست أبدا من مصالح الحياة المدنية نهيك أن تكون من الحاجيات أو الضروريات.
إن الأمة الإسلامية لها أركان تتوقف عليها مسيرتها وبقاؤها، وهي أساس بنائها المشيد، ومن هذه الأركان القوية؛ التوبة والعودة إلى الله جلّ وعلا، ثم محاسبة النفس ومسألتها عما فرطت في جنب الله قبل أن تقول يا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله وكنت من الساخرين، فلو قامت الأنظمة الإسلامية بالنظر في مسيرتها التاريخية وكيف قادت شعوبها، وأين أحسنت وأين أساءت ثم استعانت بالله تعالى ثم بأهل الذكر في كل فن بتصحيح المسار، وتصليح العطب لما وصل حالها إلى ما وصل إليه من قتل ودمار.
فمن الذي منع النظام المصري السابق أن يصحح المسار، ويصدق مع شعبه، ويرفع الظلم عنهم، وقبله النظام التونسي، ومن الذي منع النظام الليبي أن يكون صريحا مع شعبه المسلم، ومقيما نظامه على أساس مؤسسات متينة وعدالة صادقة، ومن الذي منع النظام السوري أن يتخلى عن حزب البعث الكفري وهو يسوس شعبا مسلما، جله ينتهي نسبه إلى الصحابة الكرام، ومن الذي يمنع باقي الأنظمة الإسلامية التي يتضمر أهلها من الظلم أن تسارع إلى مصالحة صادقة مع الشعب، ومن…. ومن؟
إنه الاستهتار والسخرية، والاستجابة إلى الخائنين من أهل المشورة، الذين يسعدون حين يرون نيران الفتن تعربد من تحت أبناء الوطن الواحد.
إن الذي يجب أن تدركه الأنظمة الإسلامية القائمة والقادرة على سياسة شئون الأمة بوضوح أن العودة والرجوع إلى العلماء الأجلاء الصادقين الذين هم سراة الأمة وأعمدتها، فهم لها كالرأس للجسد في الفتن والملاحم، سبيلٌ آمن من كل معاثر الحياة، وجدد قويم للخروج من مآزق الفتن، فقد جربت الأنظمة الإسلامية النظرية الشيوعية والاشتراكية، والنظام العلماني فلم تجن إلا الويلات، ولم تزرع إلا بذور الفتن، فمن كان يتصور أن النظام العلماني بامتياز في تونس يهوي على أمر رأسه وكأنه برج مشيد من رمل، كان يكفي أن تهب في وجهه صيحات معوزين ليسقط، وتتناثر ذرته بين أقاليم أمة، أمر عجيب، ولله في خلقه شؤون.
روى عبد الرزاق في مصنفه بسنده إلى طاووس أنه قال: (من السّنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسّلطان، والوالد).
إنّ النماء والبركة والخير في العودة إلى أهل العلم صدقا، وسؤالهم عن المعضلات التي أحلت بالأمة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عباس: (البركة مع أكابركم)
قال عبد الرؤوف المناوي في شرحه للحديث: (المُجرِّبين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم، أو المراد من له منصب العلم وإن صغر سنه فيجب إجلالهم حفظا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه وتعالى..)(1)اهـ.
وقال أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي اللبيب الناصح: (مثل العلماء كمثل النجوم التي يهتدى بها، والأعلام التي يقتدى بها، فإذا تغيبت تحيروا، وإذا تركوها ضلوا)(2).
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله: (وكان بنو إسرائيل كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، فكانت تسوسهم الأنبياء، والعلماء لهذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل)(3).
إنّ الحكم الصحيح على القضايا والنوازل لا يتأتى إلا بمعرفة الواقع(4) على ما هو عليه، وهذا الواجب قد تحمل عبأه العلماء، فهم مع درايتهم بالفقه في كليات الأحكام، فهم كذلك لهم قدم السبق في معرفة أحكام الحوادث الكلية، والوقائع وأحوال النّاس.
قال العلاّمة السعدي رحمه الله في تفسيره (ص198): (فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الأحكام الشرعية الكلية، فالجاهل بواحدة من هذه الأمور لا يحل له الإقدام على الحكم بين الناس).
قال الحافظ النووي رحمه الله وغفر له، كما في طبقات فقهاء الشافعية تهذيب الحزي (1/74-75): (فإن معرفة الإنسان بأحوال العلماء رفعة وزين، وإن جهلَ طلبة العلم وأهله بهم لوصمةٌ وشين، ولقد علمت الأيقاظُ أن العلمَ بذلك جمُّ المصالح والمراشد، وأن الجهلَ به أحدى جوالب المناقص والمفاسد، من حيث كونُهم حفظة الدين الذي هو أسّ السعادة الباقية، ونقلة العلم الذي هو المرقاة إلى المراتب العالية، فكمال أحدهم يُكسب مؤداه من العلم كمالا، واختلالها يورث خللا وخبالا، وفي معرفته لهم معرفة من هو أحقّ بالاقتداء، وأحرى بالاقتفاء، والجاهل بهم من مقتبسة العلم مُسو لإمحاله عند اختلافهم بين الغث والسمين، غير مميز بين الرثّ والوزين، وقد رُوينا عن مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح رضي الله عنه أنّه قال: أن أول ما يجب على مبتغي العلم وطالبه أن يعرفه؛ مراتب العلماء في العلم، ورجحان بعضهم على بعض.
ولأن المعرفة بالخواص آصرة ونسب، وهي يوم القيامة وصلة إلى شفاعتهم وسبب، ولأن العالم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل، ولعمري إنّ من يسأل من الفقهاء عن المزني والغزالي مثلا، فلا يهتدي إلى بعد ما بينهما من الزمان والمنزلة لمنسوب من القصور إلى ما يسوؤه، ومن النقص إلى ما يهيضه)اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وإذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإنّ علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته، والمحيون لما مات من سننه، بهم قال الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا)(5).
وقال الماوردي رحمه الله (م:450): (فأما العلم فينبغي للمَلِك أن يعرف فضله، ويستبطن أهله، ليكون بالعلم موسوما، وإليه منسوبا، فإنّ الإنسان موسوم بسيما مَن قاربه، ومنسوب إلى أفاعيل من صاحبه)، [ثم ذكر رحمه الله مساوئ إهمال العلماء وترك مراعاتهم ومن تلك المساوئ قال]: (ثم لا يبعد أن يظهر أهل نحلة مبتدعة، ومذاهب مخترعة، يزوقون كلاما مُمَوّها، ويزخرفون مذهبا مشبوها، يخلبون به قلوب الأغمار، ويعتضدون على نصرته بالسفلة الأشرار، فيصب النّاس إليهم، وينعطفون عليهم، بخلابة كلامهم، وحسن ألطافهم، مع أنّ لكل جديد لذة، ولكل مستحدث صبوة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان)، فتصير حينئذ البدع فاشية، ومذاهب أهل الحق واهية، ثم يفضي بهم الأمر إلى التحزب والعصبة، فإذا رأوا كثرة جمعهم، وقوة شوكتهم، داخلهم عزّ القوة، ونخوة الكثرة، فتضافر جهال نسّاكهم، وفسقة علمائهم بالميل على مخالفيهم، فإذا استتب لهم ذلك، زاحموا السلطان في رئاسته، وقبحوا عند العامة جميل سيرته، فربما انفتق ما لا يرتق؛ فإن كبار الأمور تبدو صغارا(6)، [ثم قال]: وهذا الأمر يجب على المَلِك مراعاته، لما فيه من حراسة الدين وحفظ المملكة، وحسم ذلك: أن يراعي العلم وأهله، ويصرف إليهم حظا من عنايته، ويعتمد أهل الكفاءة منهم بالتقريب والصيانة، وأهل الحاجة منهم بالرفد والإعانة، ففي ذلك بهاء المُلك، وإعزاز الدين، وقد قيل: إنّ من إجلال الشريعة إجلال أهل الشريعة)(7).
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: (وإن كان أمرا قد تنازع فيه المسلمون، فينبغي أن يستخرج من كل منهم رأيه ووجه رأيه، فأي الآراء كان أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عُمل به، كما قال تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) النساء:٥٩.
وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح النّاس، فعلى كل منهما أن يتحرى بما يقوله ويفعله طاعة الله ورسوله، واتباع كتاب الله، ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دلّ عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب؛ وإن لم يكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب، أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه، هذا أقوى الأقوال)(8)اهـ.
وقال الشيخ العلاّمة السعدي في تفسير آية آل عمران: (وشاورهم في الأمر)؛ أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارةٍ ونظرٍ وفكر، فإنّ في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها:
أن المشاورةَ من العبادات المتقرب بها إلى الله.
منها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإنّ من له الأمر على النّاس إذا جمع أهل الرأي والفضل، وشاورهم في حادثة من الحوادث، اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنّه ليس يستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنّهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة ولا يطيعونه، وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
ومنها: أن في الاستشارة تنوّرَ الأفكارِ، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقل.
ومنها: ما تنتجه الاستشارةُ من الرأي المصيب، فإنّ المشاورَ لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أولم يتم له مطلوب فليس بملوم.
فإذا كان الله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهم علما وأفضلهم رأيا (وشاورهم في الأمر) فكيف بغيره؟ ثم قال تعالى: (فإذا عزمت)؛ أي على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه إن كان يحتاج إلى استشارة (فتوكل على الله)؛ أي: اعتمد على حول الله وقوته متبرئا من حولك وقوتك، (إنّ الله يحبّ المتوكّلين) ؛ عليه، اللاجئين إليه)اهـ.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الغزوُ غزوان: فأما مَن ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، واجتنب الفساد، كان نومُه ونبهُه كلّه أجر، وأما من غزا فخرا ورياء وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنّه لم يرجع بالكفاف)(9)
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في حقّ العلماء : (…ومن له في الأمة لسان صِدْق عام، بحيث يُثْنى عليه، ويُحْمد عليه في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدُّجَى، وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم، وعامته من موارد الاجتهاد التي يُعذرون فيها، وهم الذين يتبعون العلم والعدل، فهم بُعَدَاء عن الجهل والظلم، وعن اتباع الظن وما تهوى الأنفس)(10).
وكلما قوي ركن التوبة في الأمة إلا ونالت مبتغاها من الاستقرار، وحضيت بمقاعد العز والجلال، وكان لها القدح المعلى في كل مجال.
وقد عرّف العلامة ابن قيم الجوزية التوية فقال كما في مدارج السالكين لابن القيم 1/199 : فحقيقة التوبة هي الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعاوده في المستقبل وقال أيضاً 1/313: حقيقة التوبة الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره؛ فهي رجوع من مكروه إلى محبوب؛ فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، وقال أيضا: التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً.
إن الأمة الإسلامية إذا أرادت أن تخرج من نفق الفتن سالمة بلا كسر، وغانمة بلا مِنة عدو فلترفع شعار التوبة في حضرها وبدوها، وهو شعار إصلحاتها، فمن أراد من دعاة التغيير أن يحدث نجاحا شعوريا وحسيا في جسد الأمة دون أن يسعى إلى اجتثاثها من عوامل فسادها فهو شبيه بمن يملأ ماء زمزم في قرب مثقوب. ومن خلال كلام ابن قيم الجوزية السابق ندرك أن التوبة التي تخرج الأمة من محنتها لابد أن يجتمع فيها الأمور التالية:
1_
إقلاع الأمة عن الذنوب الظاهرة والباطنة، وأشدها هتكا لأستار الأمة الشرك بالله.
2_
ندم الأمة على ما فات من سنوات وهي منغمسة في حوامض الشيوعية أو الإشتراكية أو العلمانية، وعلى ما فرطت في جنب الله تعالى.
3_
علم الأمة بقبح الذنوب التي أنهكت جسدها حتى صارت كالدمية في أيدي الأعداء
4_
عزم الأمة الإسلامية على ألا تعود إلى الذنوب والأديولجيات التي أدخلتها آتون الفتن والمحن، وحولت ساحتها إلى كتلة من نار أو بركة من الدماء.
5_
أن تسعى الأمة إلى رد المظالم إلى أهلها بالتي هي أحسن للتي هي أقوم، بعيدة عن المنظمات العالمية من حقوق الإنسان، والمحاكم الدولية، والأمم المتحدة، وغيرها من المنظمات التي أنشأت على مقاس النصارى واليهود وليس على مقاس الأمة الإسلامية.
6_
أن تكون توبة الأمة الإسلامية خالصة لله تعالى كما جاء في القرآن الكريم: [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]، وليس خوفا من الثورات، أو إسكاتا لأهل الإحتجاجات.
إن محاسبة النفس بالعدل والإنصاف، ومعرفة وجه الخلل الذي أصاب الأمة الإسلامية حتى غزاها ربيع عاصف ودامي في غير وقته فدفعت ثمنه باهضا واجب لا يشك في وجوبه صاحب علم، فإذا كانت التوبة واجبة فمعرفة الشر والذنب الذي كان سببا في كسوف شمسها واجب، وقد عقد العلماء فصولا في أسفارهم في بيان الأجناس التي يتاب منها، فهذا ابن قيم الجوزية عقد في كتابه العظيم مدارج السالكين فصلاً قال فيه: “فصل في أجناس ما يتاب منه“.
ثم قال رحمه الله: (وهي اثنا عشر جنساً مذكورة في كتاب الله_عز وجل_هي أجناس المحرمات: الكفر، والشرك، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول على الله بغير علم، واتباع غير سبيل المؤمنين).
ثم قال رحمه الله: (فالتوبة النصوح: هي بالتخلص منها، والتحصُّن من مواقعتها، وإنما يمكن التخلص منها لمن عرفها.
ونحن نذكرها، ونذكر ما اجتمعت فيه وما افترقت؛ لنتبين حدودها وحقائقها، والله الموفق لما وراء ذلك كما وفق له، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
إن الأمة الإسلامية إذا عرفت الذنوب وتابت إلى ربها منها، متعها بالحياة السعيدة، ورزقها الأمن والأمان، ومكن لها في الأرض، ونشر في ربوعها الخير والبركات. قال تعالى: [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً]. وقد ضرب الله مثلا على توبة أمة من القرآن الكريم، فكشف عنها الخزي ومتعها إلى حين فقال تعالى: [فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ].
إن قرية يونس صلى الله عليه وسلم كما قال قتادة كانت في نينوى بالموصل، وقد ذكر علماء التفسير: أن قوم يونس لما أظلهم العذاب، وظنوا أنه قد دنا منهم، وأنهم قد فقدوا يونس قذف الله في قلوبهم التوبة لحكمة يعلمها الله تعالى، وفرقوا بين كل أنثى وولدها، وعَجُّوا إلى الله بالدعاء أربعين ليلة، فلما علم الله منهم صدق التوبة كشف عنهم العذاب، وقال: [وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ]؛ أي: لم نعاجلهم بالعقوبة، فاستمتعوا بالحياة الدنيا إلى حين مماتهم وقت انتهاء أعمارهم.
فما أحوج أمة الإسلام اليوم أن تعج إلى الله منيبة تائبة، نادمة عما صدر منها، صادقة في توبتها، قد ملأت المساجد تكبيرا وتهليلا وسجودا لله تعالى، وكلما حزّ بها أمر هرعت إلى الصلاة عسى أن يرضى عنها ربها، ويجمع كلمتها، ويجعل بينها وبين الأمم الكافرة حجاب مستورا، قال تعالى: [وإذَا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الّذين لا يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا]
إن الأمة عليها أن تتوب من:
1:
الشرك:
إنّ الذنوبَ والمعاصيَ والبدعَ، وعلى رأسها الشّرك وهو أظلم الظلم، وأكبر الكبائر على الإطلاق، سببُ الفسادِ في الأرض، وحقيقة الشرك؛ التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، فالمشرك بالله مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل عليه وحده، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعا وضرا ولا موتا وحياة ولا نشورا شبيها لمن له الخلق والأمر كلّه، فلا صلاح للموجودات إلا بأن تكون أنفاسُها وحركاتها وإراداتها ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده لا شريك له، قال تعالى: في سورة الأنبياء: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون).
إنّ الفساد الذي حلّ بنظام العالم، والفتن التي ظهرت في ساحة الأمة، والقتل والقلاقل التي أقضّت مضاجع البشرية؛ كل هذا العفن سببه انتشار الشرك في الكرة الأرضية؛ حتى صارت له صورة قانونية في بعض الدول الإسلامية كما هو مشهود ومعروف.
قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
قال الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ: (فكلُّ فساد ونقص في العلوم، والأعمال، والعقول، والسياسة، والمعايش، وغير ذلك، فسببه المعاصي)(11).
وقد نهى المولى جلّ وعلا عن الإفساد في الأرض فقال عزّ وجل: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)
قال العلاّمةُ ابن كثير رحمه الله: (ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضرّه بعد الإصلاح!، فإنّه إذا كانت الأمورُ ماشيةً على السّداد، ثم وقع الإفسادُ بعد ذلك، كان أضرّ ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه)(12).
وقال العلاّمة ابن قيّم الجوزية رحمه الله في تفسير هذه الآية: (قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاءِ إلى طاعة الله، فإنّ عبادةَ غير الله والدعوةَ إلى غيره والشركَ به؛ هو أعظمُ فسادٍ في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك به، ومخالفة أمره، قال تعالى: +ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، وقال عطية في الآية: ولا تعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم(13)، وقال غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فإنّ الدّواب تَلعن عُصاة بني آدم، وتقول: اللهم العنهم، فبسببهم أجدبت الأرض، وقحط المطر.
وبالجملة فالشركُ والدعوةُ إلى غير الله، وإقامةُ معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلاّ بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرّسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإنّ الله أصلح الأرض برسله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به، وبمخالفة رسوله، ومن تدبّر أحوال العالم وجد كُلّ صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكلّ شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسلط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله..)(14).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهذه الفتن سببها الذنوب والخطايا، فعلى كل من الطائفتين أن يستغفرَ الله ويتوب إليه، فإنّ ذلك يرفع العذاب، وينزل الرحمة، قال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون) الأنفال: ٣٣)(15).
قلت: فإنّ الفساد الإداري والاقتصادي الذي يشتكي منه المسلمون، وما نجم عنه من انحرافات سلوكية للموظفين، وتفش واسع للرشوة، وتكالب وحشيّ على حُطام الدنيا، وتعاسة ظاهرة على أوجه الناس، وتخلف ملموس للأمة؛ سببُهُ ضَعف التوحيد في أنفس المسلمين، ووهن الصلة بربّ العالمين، وصدق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين قال من حديث أبي هريرة في الصحيح(16): (تعس عبدُ الدينار، وعبدُ الدرهم، وعبدُ الخميصة، إن أعطي رَضِيَ، وإن لم يعط سخِط..)، ولا يجوز أن نقيس أنفسنا على الكفار، فقد يقول غافل: هاهم الأمريكان والأوروبيون كفار، ويتكالبون على الدنيا، ومع ذلك اقتصادهم نام ومزدهر(17)!، فإنّ هذه المعادلة جائرة، وباطلة من كل الوجوه، قال تعالى: (أ فنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) القلم:٣٥ ٣٦ ، وقال تعالى: (أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجار) ص: ٢٨، وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون) الجاثية: ٢١، فبين الله في هذه الآيات الكريمات أن حكم التسوية بين المضادات قبيح يتنزه عنه الله تعالى ربّ البريات، فلا يليق بنا نحن أمة التوحيد أن نجعل البر كالفاجر، والمحسن كالمسيء، والموحد كالمشرك؛ فهذا أمر منكر في نفسه، تتنزه عنه العقول السليمة، والفطر السوية.
أخرج الإمام مسلم(18) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيفٌ وهو كافر، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتّى شرب حلاب سبع شياه، ثم أنّه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فشرب حلابها، ثم أمر بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء).
وقد اختلفت كلمةُ الشُرّاح في بيان معنى هذا الحديث، والذي يعنينا أن الرجل لمّا كان على كفره كان شرِها أكولا لا يملأ بطنه إلا التراب، ولكن حين نطق بكلمة التوحيد اعتدل مزاجه، وقنعت نفسه، وكفاه من الدنيا حلوبا من اللبن يسد به جوعته، ومن كان هذا حاله فلا يمكن أن يبيع ذمته لمنحرف عن الجادة، أو أن يخون وطنه طرفة عين، وبكف من شعير!، فإنّ الذين يركزون على تطوير الاقتصاد بالمنظور الإسلامي، وفي ديار الإسلام مع تغريبهم لجانب التوحيد والعقيدة، فإنهم مهما أنتجوا أو استوردوا فلا يمكنهم أبدا أن يُلبُّوا رغبة النّاس للنقص الذي يعتريهم بسبب ضعف صلتهم بالله تعالى، وليس لنا بحال أن نقيس أمة الاستجابة على أمة الدعوة كما سبق الإشارة إليه.
وقال تعالى: [كَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] الأنعام:٨١، ثم بيَّن أصل الأمن وهو توحيد الله، ومنبع الخوف وهو الشرك به جل وعلا فقال: [الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ] الأنعام: ٨٢، فإنّ الشرك إذ انتشر في ربوع الأمة، من بناء القباب والطواف بها، ومن الذبح لغير الله، وغيرها من الأعمال الشركية التي حذر منها اللهُ تعالى في كتابه ونبيُه المصطفى صلى الله عليه وسلم في سنته، وبينها علماءُ الأمة في مصنفاتهم أتمّ بيان، ظهر القلق والخوف من المجهول على تعبير القوم!، وتفشت الأمراض النفسية، وتسلطت الجن على الإنس فأرهقوهم، وحوّلوا حياتهم إلى جحيم، وضَعُفَ الإيمان بالقضاء والقدر، وتفشت كبيرة الانتحار، وساد المجتمع قانون الغاب والعياذ بالله تعالى، وهو وحده تعالى العاصم من شرّ كلّ ذي شرّ، ولهذا يجب على مَن ولاه الله تعالى زمام أمر المسلمين الاعتناء بجانب تركيز توحيد الله في أنفس رعيته، وتوظيف وسائل الدولة الإعلامية للقيام بهذا الواجب، بالاستعانة بعلماء الأمة وطلابها إذا أراد الحفاظ على نفسية مواطنيه خالية من الأمراض والتناقضات.
أ_التوبة من الإسراف: (فالإسراف نذير شؤم، ومؤذن هلاك؛ فهو يفضي إلى الفاقة، وينزل بأهله إلى طبقة المقلين أو المعدمين.
والإسراف في الترف ينبت في النفوس أخلاقاً مرذولة من نحو الجبن، والجور، وقلة الأمانة، والإمساك عن البذل في وجوه الخير.
أما أن الإسراف في الترف يدعو إلى الجبن فلأن شدة تعلق النفوس بالزينة واللذائذ يقوي حرصها على الحياة، ويحملها هذا الحرصُ على تجنب مواقع الحروب، وإن كانت مواقف شرف وذود عن النفس، والمال، والعرض.
وأما أن الإسراف في الترف يسهل على النفوس ارتكاب الجور فلأن المنغمس في الترف يحرص على اكتساب المال ليشبع شهواته، فلا يبالي أن يأخذه من طرق غير مشروعة، فيمد يده إلى الاستيلاء على ما في يد غيره من طريق الرشوة، أو من طريق الغصب إن كان ذا سلطان وقوة.
وأما أنه يَذْهَبُ بالأمانة فلأن الغريق في الترف إنما همه الوصول إلى زينة أو لذة، أو مطعم ونحوه_كثيراً ما تدفعه هذه الشهوات إلى أن يخون من ائتمنه، فيمد يده إلى المال الذي ائتمن عليه، وينفقه في شهواته الطاغية.
وأما أنه يمسك الأيدي عن فعل الخير فلأن من اعتاد الترف حتى أخذ بمجامع قلبه كان أعظم قصده من جمع المال إنفاقه فيما يلذه من مأكول، أو يتزين به من نحو ملبوس أو مفروش.
لذلك كان الغالبُ على المترفين المسرفين قبضَ أيديهم حيث يبسط غيرهم يده؛ إسعاداً لذوي الحاجات من الفقراء والمنكوبين، أو إجابة لما تدعو إليه المروءة والمكارم.
ومن هنا نستبين أن للإسراف سيئةً أخرى هي قطع صلة التعاطف والتوادد بين كثير من أفراد الأمة.
ولهذا تجد من الموسرين المترفين من ينفق الأموال الطائلة في سبيل لذاته وشياطينه، وإذا سئل بذل القليل في مشروع جليل أعرض ونأى بجانبه.
هذا وللإسراف في الترف أثر كبير في إهمال النصيحة والدعوة إلى الحق؛ ذلك أن من اعتاد التقلب في الزينة، وألفت نفسه العيش الناعم_يغلب عليه الحرص على هذا الحال؛ فيتجنب المواقف التي يمكن أن تكون سبباً لفوات بعض النعيم.
وللإسراف أثر في الصحة؛ فقد دلت المشاهدات على أن المسرف في نحو المأكل والمشرب لا يتمتع بالصحة التي يتمتع بها المقتصدون فيما يأكلون ويشربون.
والإسراف في الترف يقل معه النبوغ في العلم؛ ذلك أن النفس المحفوفة بالرفاهية من كل جانب يضعف طموحها إلى اللذات العقلية؛ لأنها في لذة قد تشغلها أن تطلب لذة كلذة العلوم طلباً يبلغ بها مرتبة العبقرية.
ومن الجلي أن مرتبة العبقرية لا تدرك إلا باحتمال مصاعب، واقتحام أخطار، والمسرف في الترف ضعيف العزيمة لا يثبت أمام المكاره والشدائد.
هذه بعض مضار الإسراف؛ فحق الأمة التي تريد النهوض من كبوتها أن تقلع عن الإسراف في الرفاهية، وتضع مكان الإسراف بذلاً في وجوه البر والإصلاح.
فمما تشكو منه الأمة إطلاق الأيدي بإنفاق المال في غير جدوى، وتدبير المال على غير حكمة وحسن تقدير.
قال العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: (إن أمة تنفق الملايين في الشهر على القهوة والدخان، وتنفق مثلها على المحرمات، وتنفق مثلها على البدع الضارة، وتنفق أمثال ذلك كله على الكماليات التي تنقص الحياة ولا تزيد فيها، ثم تدَّعي الفقر إذا دعاها داعي العلم لما يحييها_لأمة كاذبة على الله، سفيهة في تصرفاتها. انظر آثار الشيخ محمد البشير الإبراهيمي3/345.
وقال: (المال الذي تنفقه في المحرمات يسوقك إلى النار، والمال الذي تبدده في الشهوات يجلب لك العار، والمال الذي تدخره للورثة الجاهلين تهديه إلى الأشرار، وتبوء أنت بالتبار والخسار.
أما المال الذي تحيي به العلم، وتميت به الجهل_فهو الذي يتوجك في الدنيا بتاج الفخار، وينزلك عند الله منزلة الأبرار). انظر المرجع السابق3/365_366.
ولا يعني التحذير من الإسراف في الترف أن يكون الناس على سنة واحدة من الإعراض عن الزينة والملاذِّ؛ فقد قال_تعالى_: [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ] الأعراف: 32.
وإنما المقصود من ذلك الدعوةُ إلى أخذ النفوس بالاقتصاد، وحمايتها من الإفراط في الزينة واللذيذ من العيش.
ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم بالناس هذا الطريق القويم، وهو طريق الاقتصاد؛ فبعد أن أمر في آيات كثيرة بالإنفاق في وجوه الخير نهى عن الإسراف نهياً بالغاً، فقال_تعالى_: [وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً] الإسراء: 29.
وألحق المبذرين بقبيل الشياطين فقال_تعالى_: [إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ] الإسراء: 27.
وعدهم في زمرة من يستحقون بغضه فقال_عز وجل_: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] الأعراف: 31.
وأثنى على عباده المؤمنين بفضيلة الاقتصاد فقال: [والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً] الفرقان: 67.
وإذا كان الإسراف يوقع الأفراد والجماعات في مضارّ كثيرة كان واجباً على أولياء الأمور ودعاة الإصلاح أن يتعاونوا على الجهاد في هذا السبيل؛ حتى يبتعد الناس عن الإسراف في مآكلهم، ومشاربهم، وملابسهم، ومراكبهم، ومساكنهم، وأمتعة بيوتهم.
وحين يُحذَّر من عواقب الإسراف، ويُدعى إلى الاقتصاد_يبين أنه لا فضيلة في الاقتصاد إلا بعد أن يؤدي الرجل حق المال من نحو النفقات الواجبات عليه لأقاربه، والزكوات المفروضة لأهلها، وبعد أن يبسط يده بالإعانة على بعض المصالح العامة كإنشاء مساجد، أو مدارس، أو مستشفيات، أو ملاجىء، أو إعداد وسائل الاحتفاظ بسيادة الأمة والدفاع عن حقوقها). انظر محاضرات إسلامية للشيخ محمد الخضر حسين ص140_147.
ب_التوبة من التبعية الثقافية والفكرية: (فمما يؤسف عليه، ويندى له جبين الحق ما يُرى من حال كثير من مثقفينا ومفكرينا؛ فلا تراهم يرفعون بالإسلام رأساً، ولا يَهُزُّون لنصرته قلماً، ولا يحفلون إلا بزبالة أفكار الغرب، ولا يثقون إلا بما يصدر من مشكاته.
إن كثيراً من هؤلاء الذين تخرجوا في المؤسسات الحضارية الغربية، وعاشوا في المجتمعات الإسلامية_يجهلون الإسلام جهلاً كاملاً.
ولا يعني ذلك الجهل أنهم لم يسمعوا بالإسلام، أو أنهم لم يحفظوا في صغرهم شيئاً من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، أو أنهم لم يسجدوا لله يوماً من الأيام سجدة، أو لم يعرفوا أخبار رسول اللهوصحابته الكرام_رضوان الله عليهم_.
لا، ليس الأمر كذلك، وإنما المقصود أن هؤلاء يجهلون نظرة الإسلام إلى الكون، والحياة، والإنسان.
ويجهلون حقائق الإسلام، وشرائعه الحكيمة، ومقاصده النبيلة.
ويجهلون قيم الإسلام، ومُثُلَه، وأخلاقه، وخصائص حضارته، وتطوراتها، ومراحلها.
ويجهلون أسباب تقدم المسلمين في التاريخ، وأسباب تأخرهم.
ويجهلون القوى التي حاربتهم، والمؤامرات التي نسجت عبر التاريخ للقضاء عليهم.
فهؤلاء الذين نسميهم مثقفين ومفكرين عندما واجهوا الغرب، وحضارته، وفنه، وأدبه_لم يواجهوه إلا بعقول خواء، وأفئدة هواء، ونفوس مجردة من معاني الأصالة والعزة والأنفة؛ فلم يواجهوا الحضارة الحاضرة مواجهة مدركة، فاحصة، مقوّمة.
وإنما واجهوها مواجهة سطحية تنطلق من مواطن الجهل، والذلة، والشعور بالهزيمة، فانبهروا بكل ما فيها دونما تمييز بين الحق والباطل، والضار والنافع؛ فنكسوا رؤوسهم حطة أمام الغرب.
ولهذا تراهم يهشون ويطربون إذا ذكر اسم فرويد، أو نيتشه، أو ت.إس إليوت، أو ماركيز، أو غيرهم من مفكري الغرب على اختلاف توجهاتهم ومدارسهم الفكرية.
وإذا ذكر الله ورسوله_اشمأزت قلوبهم، واستولى عليهم الشعور بالهزيمة والذلة.
ومن هنا فإن مثقفينا_في فروع الحياة كلها إلا من رحم ربك_قد نقشوا ما عند الغربيين، وظنوا أنه لا ثقافة إلا ثقافتهم، ولا أدب إلا أدبهم، ولا واقع إلا واقعهم؛ فهم جهلوا الإسلام وحضارته، وعرفوا كل شيء عن الغرب.
وأكثر هؤلاء لا يتبرؤون من الإسلام، بل يصرحون بانتمائهم للأمة الإسلامية.
ولكنهم يفهمون الإسلام من إطار المفهوم الغربي للدين.
والمفهوم الغربي للدين يتلخص في أن الدين عبارة عن رابطة فردية خاصة بين الإنسان وربه؛ فالإنسان يؤمن بمجموعة من القيم والأخلاق التي يستقيها من إيمانه بالله، تصوغ شخصيته، وتجعل منه إنساناً اجتماعياً يستقيم سلوكه العام في إطار الإيمان الديني.
أما الحياة بشمولها فإنها_في نظرهم_لا بد أن تخضع لحركة العقل المتغير عبر الزمان والمكان) انظر أزمة المثقفين تجاه الإسلام د. محسن عبد الحميد ص 49_51 و66_67.
يقول الدكتور محسن عبدالحميد_أحد علماء العراق_: (من خلال عشرات المواقف الأليمة جداً التي مرت في حياتي التدريسية، والتي أثبتت لي بشكل قطعي هذا الجهل العام بين كثير من مثقفينا للإسلام أروي الحوادث الآتية:
*
في محاضرة عامة لاقتصاديٍ مسلمٍ استعرض المذاهب الاقتصادية كلها منذ أقدم العصور إلى العصر الحديث في مختلف الملل والنحل، ولم يتطرق إلى الإسلام أو حضارته في مجال الاقتصاد منهجاً وعلماً.
فلما سُئل عقب انتهاء المحاضرة عن سبب ذلك قال بالحرف الواحد: أنا متأسف؛ لأنني لا أعرف عن وجهة نظر الإسلام في هذا الموضوع شيئاً.
ولما أهدي له فيما بعد كتاب حول أحكام الاحتكار في الفقه الإسلامي تعجب كثيراً، وذكر أنه لم يكن يظن أن الفقهاء بحثوا مثل هذه الموضوعات.
*
وحضرت مرة مناقشة رسالة علمية في الفقه الجنائي الإسلامي مقارناً بالفقه الجنائي الغربي_استغرب مناقش قانوني في اللجنة أن يكون فقهاء المسلمين قد ناقشوا بعمق نظرية قانونية كان هو يعتقد أنها نظرية غربية صِرْفة.
*
وكنا نتناقش يوماً في غرفة الأساتذة حول وضع المرأة في الإسلام؛ فانبرى أحد المختصين في علم الاجتماع فقال: إن الإسلام ظلم المرأة عندما جعل الرجل قوَّاماً عليها.
فلما سألناه: ما المعنى اللغوي للقوامة في الآية الكريمة حتى نحدد موقفنا منه_تلعثم ولم يعرف معناها.
فقال له أحدنا: كيف تصدر يا أستاذ هذا الحكم الظالم على الإسلام وأنت لا تعرف معنى القوامة؟) انظر أزمة المثقفين تجاه الإسلام ص52_53.
(
ثم إن نظرة كثير من أولئك تجاه المسلمين وقضاياهم هي هي نظرة الغرب؛ فالغرب يرى أن الإسلام دين قسوة وهمجية، وأن أهله قساة عتاة أجلاف غلاظ الأكباد.
وينطلي هذا الهراء على كثير من أولئك المثقفين، فيسايرون أعداءهم، ويسيرون في ريحهم وفلكهم، وما علموا أن الإسلام دين العدل والرحمة، وأن أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس.
وما الحسام الذي يأمر الإسلام بانتضائه للجهاد في سبيل الله إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد؛ حرصاً على سلامته.
وأمة الإسلام خير أمة جاهدت في سبيل الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت ينابيع المعارف بعد نضوبها.
واسأل التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغرِّ ما بَصُر بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء.
فماذا فعل المسلمون لما انتصروا على خصومهم؟ ماذا قال النبي_عليه الصلاة والسلام_لما انتصر على قريش وفتح مكة؟ ألم يصفح عنهم؟ وينس ما فعلوه به؟
وماذا فعل المسلمون لما انتصروا على كسرى وقيصر؟ هل خانوا العهود، وهل انتهكوا الأعراض؟ وهل قتلوا الشيوخ والأطفال والنساء؟
وماذا فعل صلاح الدين لما انتصر على الصليبين؟ ألم ينعم على قائدهم بالعفو؟ ألم يعالجه، ويطلق سراحه.
فهذه المواقف وأمثالها كثيرة في تاريخ المسلمين، مما كان لها أبلغ الأثر في محبة الناس للإسلام، والدخول فيه عن قناعة ويقين.
أفغير المسلمين يقوم بمثل هذا؟ الغرب يقدم لنا مثل هذه النماذج؟
الجواب ما تراه وتسمعه؛ فمن أين خرج هتلر، وموسوليني، ولينين، وستالين، ومجرمو الصرب؟ أليست أوربا هي التي أخرجت هؤلاء الطواغيت الشياطين الذين قتلوا الملايين من البشر، والذين لاقت البشرية منهم الويلات إثر الويلات؟ ألا يعد أولئك هم طلائع حضارة أوربا؟
فمن الهمج العتاة القساة الأجلاف إذاً؟
ثم من الذي صنع القنابل النووية والجرثومية، وأسلحة الدمار الشامل؟ ومن الذين لوثوا الهواء بالعوادم، والأنهار بالمبيدات؟ ومن الذي يدعم اليهود وهم في قمة الإرهاب والتسلط والظلم؟ .
أما آن لكثير من مثقفينا أن يصحوا من رقدتهم؟ وألاّ ينظروا إلى الغرب بعين عوراء متغافلين عن ظلمه، وإفلاسه الروحي؟
هذه هي حال كثير من مثقفينا، ومع ذلك تجدهم يتصدرون وسائل الإعلام، ويتطرقون لقضايا الأمة.
ولو صُرف النظر عن ناحيتهم، وترك حبلُهم على غاربهم_لهبطوا بكثير من شبابنا في خسار يهتز له قلب عدوهم شماتةً وفرحاً.
والنفوس التي تتزحزح عن الإيمان قيد شعرة تبتعد عن مراقي الفلاح سبعين خريفاً.
فلا بد_إذاً_من أن نكون على مرقبة من دعايتهم، وننفق ساعات في التنبيه على أغلاطهم؛ لعلهم ينصاعون إلى رشدهم، أو لعل الأمة تحذر عاقبة هذا الذي يبدو على أفواههم) انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين ص190.
فحقيق على هؤلاء أن يؤوبوا إلى رشدهم، وأن يقدموا لأمتهم ما يرفع عنها الذلة والتبعية، وأن يبحثوا في سبل رقيها وفلاحها.
وإن من أعظم ما يعينهم على ذلك أن يدرسوا الإسلام دراسة واعية متأنية من مصادره الأصيلة، وأن يكون لديهم من الشجاعة الأدبية والأمانة العلمية_ما يبعثهم إلى الرجوع إلى الحق والاعتزاز به.
أما السير في ركاب الغرب، والأخذ بكل ما يصدر عنه دونما تمحيص فذلك محض الهوان، وعنوان التخلي عن العزة والكرامة؛ فالأمة العزيزة هي التي تعرف مقدار ما تعطي، ومقدار ما تأخذ، ونوع ما تعطي ونوع ما تأخذ، وهي التي تعد نفسها بكل ما أوتيت من قوة؛ حتى تحمي رأيها فيما تأخذ وما تدع، وما تعطي وما تمنع.
ورحم الله الشيخ محمد الخضر حسين إذ يقول:
كنا بدورَ هداية ما من سَنَىً

إلا ومن أنوارها يستوقدُ

كنا بحورَ معارف ما من حُلىً

إلا ومن أغوارها يُتصيَّدُ

كنا جلاء للصدور من القذى

ولواؤنا بيد السعادة يُعْقَدُ

ما صافحت راحاتنا دوحاً ذوى

إلا وأينع منه غصنٌ أغيدُ

ومن احتمى بطرافنا السامي الذُّرا

آوى إلى الحرم الذي لا يضهد

لا يمْتري أهْلُ التمدن أنهم

لو لم يسيروا إثرنا لم يصعدوا

فَسلوا متى شئتم سَراتَهُمُ فما

من أمة إلا لنا فيها يدُ

لا فخر في الدنيا بغير مجادة

تعنو لها الأمم العظام وتسجد

لكننا لم نرعَ فيها حُرْمةً

بذمامها منا الرقاب تُقلَّد

أخذت مطيَّات الهوى تحدو بنا

في كل لاغية كساعة نُولد

حتى انزوى من ظلها الممدود ما

فيه مقام يستطاب ومقعدُ

أبناءَ هذا العصر هل من نهضة

تشفي غليلاً حرُّه يتصعَّدُ

انظر خواطر الحياة ص105_106.
ورحم الله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي إذ يقول:
فأين الذي رفعته الرماح

وأين الذي شيدته القُضُبْ

وأين شواهقُ عزٍّ لنا

تكاد تمس ذراها السحب

لقد أشرق العلم من شرقنا

وما زال يَضْؤُلُ حتى غرب

وكنا صعدنا مراقي المعالي

فأصبح صاعدُنا في صبب

وكم كان منا ذوو همة

سمت بهمُ لمعالي الرتب

وكم من هِزَبْرٍ تهز البرايا

بوادره إن ونى أو وثب

وأقْسمُ لولا اغترار العقول

لما كفَّ أربابها عن أرب

ولولاَ الذي دَبَّ ما بينهم

لما استصعبوا في العلا ما صَعُب

انظر إيوان الألمعي شرح ديوان الرافعي حققه أسامة محمد السيد ص 22.
ج_التوبة الإعلامية: فالإعلام في كثير من بلاد المسلمين يروِّج للرذيلة، ويزري بالعفة والفضيلة، فتراه يصب في قالب العشق والصبابة، والترف والهزل، ويسعى لتضليل الأمة عن رسالتها الخالدة.
فجدير بإعلام المسلمين أن تكون له شخصيته المتميزة، وأن يكون داعية إلى كل خير وفلاح.
وواجب على كل إعلامي مسلم أن يتضلع بمسؤوليته، وأن يدرك حجم الأمانة الملقاة على عاتقه، فهو يرسل الكلمة فتسير بها الركبان؛ فله غنمها، وعليه غرمها.
د_التوبة من التبرج: (تلك السنة الإبليسية الجاهلية التي فتحت على المسلمين باب شر مستطير.
ففي أكثر بلدان المسلمين تخلت النساء عن الحجاب، وأخذن بالتبرج، والتهتك، والتبذل، والسفور على تفاوت فيما بين البلدان.
وهذا الصنيع نذير شر وشؤم، ومؤذن لعنة وعذاب؛ ذلك أن التبرج موجب لفساد الأخلاق، وضيعة الآداب، وشيوع الجرائم والفواحش، وانعدام الغيرة، واضمحلال الحياء.
وبسببه تتحطم الروابط الأسرية، وتنعدم الثقة بين أفرادها.
وهذا التبرج لم يكن معروفاً عند المسلمين، وإنما هو سنة جاهلية انقطعت بالإسلام.
قال_تعالى_مخاطباً نساء المسلمين: [وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى] الأحزاب: 33.
وفي العصور المتأخرة دخل التبرج على المسلمين بسبب الإعراض عن هداية الدين، وبسبب الحملات الضارية على المرأة المسلمة؛ كي تتخلى عن وقارها وحيائها وحشمتها ودينها.
كما دخل على المسلمين من باب التقليد الأعمى للغرب ومحاولة اللحاق بركابه؛ لئلا يقال: متخلفون رجعيون!
وإذا أنكر منكر على أولئك الذين يدعون إلى التبرج والسفور وصموه بالتخلف والرجعية؛ فهل تقليد الغرب في مستهجن عاداته إلا التخلف بعينه؟ أو ليس هذا التقليد مما يزيد الشعوب المقلدة وهناً على وهن؟ !
وإذا أردت الدليل على أن التبرج تخلف عن ركب الحضارة فانظر إلى انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج من العراة الذين لا يزالون يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيمية؛ فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادت نسبة المساحة الكاسية من أجسادهم.
كما يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقرى درجة بعد درجة حتى ينتهي الأمر إلى العري الكامل في مدن العراة التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة.
ونحن إذا احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب، وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سبباً في مجده وسيادته_فمن المؤكد أننا لسنا في حاجة إلى استيراد قواعد في السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الأمارات والبوادر على أنها ستؤدي إلى تدمير حضارته، والقضاء عليها قضاء تاماً في القريب العاجل.
إننا في حاجة إلى مواد البناء؛ لأنّ لدينا من عوامل الضعف والهدم ما يكفي، ومن مصائبنا نحن أهل الإسلام أننا لا نأخذ المصائب كما هي، بل نزيد عليها ضعفنا فإذا هي رذائل مضاعفة.
ومع ذلك تجد من أبناء جلدتنا من لا يصيخون السمع إلى هداية الدين، بل هم يلحدون في آيات الله، فيميلون بها عن وجهها حيناً، ويجادلون فيها أشد المجادلة حيناً آخر.
في الوقت الذي يخضعون لهذه المزاعم الداعرة، ويرونها فوق النقاش والمراء.
هؤلاء قوم لا تقوم عندهم الحجة بالقرآن والسنة، ولكنها تقوم بهذه الظنون والأوهام؛ فإذا عارضتهم بالثابت من الشرع_وهم من أهل الإسلام_لووا رؤوسهم، وقالوا: نحدثك في العلم فتحدثنا في الدين؟ وكأن هذه الأوهام عندهم أثبت من الشرع المطهر.
أترى فرقاً بين هؤلاء وبين أمم خلت من قبلهم من الضالين كانوا يقولون إذا ذُكِّروا بآيات الله: [قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] الأنفال: 31؛ [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] النحل: 25.
وبالجملة فإن الحقيقة الماثلة للعيان تقول: بأن التبرج أقرب الوسائل إلى تلويث الأعراض، ونكد العيش، وأنه إلى ابتذال المرأة أقرب منه إلى كرامتها، وإلى عنائها أقرب منه إلى راحة بالها). انظر رسائل الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين 2/223 وحصوننا مهددة من داخلها د. محمد محمد حسين ص69_80.
قال الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي: (وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة، وإغلاء سعرها في الاجتماع، وصونها من التبذل الممقوت) انظر وحي القلم1/195.
وقال: (وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء؛ فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى خرجت من حيائها وتهجَّمت؛ أي توقَّحت، أي تبذَّلت_استوى عندها أن تذهب يميناً، أو تذهب شمالاً، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق.
وصاحبات اليمين في كنف الزوج، وظل الأسرة، وشرف الحياة، وصاحبات الشمال ما صاحبات الشمال؟) انظر وحي القلم1/302.
وقال: (فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات وأجسامهن في الطرق فلا تَعُدَّنَّه من فرط الجمال، بل من قلة الحياء). انظر وحي القلم1/302.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على الأمَّة المسلمة أن تتوب من التبرج والسفور، وأن تحاربه بكل ما أوتيت من قوة.
وأن تدعو في الوقت نفسه إلى لزوم الحجاب والحشمة للمرأة المسلمة؛ ففي الحجاب العفة، والستر، والطهر، والسلامة من الفتنة، والنجاة من الوعيد وغير ذلك من فضائل الحجاب.
كما يجب على المرأة المسلمة أن تحافظ على حجابها، وأن تعتز به، وألا تلتفت إلى دعاوى المبطلين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وأن يكون حجابها مستوعباً جميع بدنها بما في ذلك الوجه والكفان، وألا يكون الحجاب زينة في نفسه، وأن يكون صفيقاً لا يشف، وأن يكون فضفاضاً غير ضيق، وألا يكون مُبخَّراً مطيباً، وألا يشبه لباس الرجل، أو الكافرات، وألا يكون لباس شهرة.
فإذا كانت كذلك فأحْرِ بها أن تسعد في نفسها، وأن تسعد الأمة بها.
هـ_التوبة من التقصير في الدعوة إلى الله: (فأمة الإسلام هي الأمة القوامة على الأمم، وهي الشاهدة على الأولين والآخرين.
والبشرية جمعاء بأمسّ الحاجة إلى هداية الإسلام، ومع ذلك تجد التقصير في جانب الدعوة إلى الله.
والتبعة في ذلك تقع على أهل العلم بخاصة؛ فما بال كثير منهم يعرف مناهج الصلاح، ويبصر طائفة من قومه يتهافتون على عماية، أو يهيمون في جهالة ولا تنهض به الهمة؛ ليعمل على إفاقتهم من سكرتهم، وإراءتهم معالمَ فوزهم؟ .
وما بال الخلاف يدب في صفوف كثير من الدعاة، فيفشلهم، ويذهب ريحهم؟
وما بال كثير منهم يخطىء سبيل الحكمة، ويؤثر مصلحته على مصلحة الأمة؟
وما بال كثير منهم ينزوي وينطوي على نفسه غير مكترث بمصير الأمة، وغير مبال بوعيد الله لمن كتم العلم؟
إن السكوت عن الدعوة جرم عظيم، وذنب يجب التوبة منه؛ ذلك أنه إذا انزوى العارفون بوجوه الإصلاح رفع البغي لواءه، وبقي إخوان الفساد يترددون على أماكن المنكرات.
والبغي يضرب على الأمة الذلةَ والمسكنةَ، والانهماكُ في المنكرات يميت خصال الرجولة من نحو الشجاعة، وشدة البأس، والبذل في سبيل الخير.
وإذا تفشى وباء الفساد تداعت الأخلاق الفاضلة إلى سقوط، ونضب ماء الحياء من الوجوه، ووهنت رابطة الاتحاد في القلوب، وتضاءلت الهمم عن معالي الأمور، وقلَّت الرغبة في الآداب والعلوم.
وما عاقبة الأمة المصابة بالذل والإحجام، والجهل والتفرق، وقلة الإنفاق في سبيل البر إلا الدمار.
ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين ووعظ المسرفين أن إقبالهم على شأنهم، واقتصارَهم في العمل الصالح على أنفسهم يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينقلب إليه الفاسقون.
فالذي جرت به سنة الله في الأمم أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض، وظهر في أكثر نواحيها لا تنزل عقوبته بديار الظالمين أو الفاسقين خاصة، بل تتعداها إلى ما حولها، وترمي بشرر يلفح وجوه جيرانهم الذين تخلوا عن نصيحتهم، ولم يأخذوا على أيديهم.
قالتعالى: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً]الأنفال:25.
وجاء في صحيح مسلم عن زينب بنت جحش÷ رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟
قال: (نعم؛ إذا كثر الخبث). رواه مسلم (2880) .
ومن البلية في سكوت أهل العلم أن العامة يتخذونه حجة على إباحة الأشياء أو استحسانها؛ فإذا نهيتهم عن بدعة سيئة، وسقت إليهم الدليل على قبحها ومخالفتها لما شرع الله كان جوابهم أنهم فعلوها بمرأى أو مسمع من فلان من أهل العلم ولم يعترض فعلهم بإنكار!.
ومن أثر التهاون بالإرشاد أن يتمادى المفسدون في لهوهم، ولا يقفوا في اتباع شهواتهم عند غاية؛ فتقع أعين الناس على هذه المناكر كثيراً، فتألفها قلوبهم، حتى لا يكادوا يشعرون بقبح منظرها، أو يتفكروا في سوء عاقبتها.
ومن أثر هذا أن يقبل عليهم الحق بنوره الساطع ووجهه الجميل، فتجفل منه طباعهم، وتجفوه أذواقهم لأول ما يُشْرف عليها). الكلام في هذه الفقرة أكثره مستفاد من كتاب: الدعوة إلى الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين ص101و115_118.
وإذا كان الأمر كذلك كان لزاماً على الأمة أفراداً وجماعات أن تتوب من التقصير في الدعوة إلى الله، وأن يقوم كل فرد بحسبه بما أوجب الله عليه من نصرة دين الله، هذا بلسانه، وهذا بقلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، ولكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناس مشربهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

جمعه من أجزاء شتى: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري
كان الله في عونه

الهامش:


(1)
فيض القدير (3/220).
(2)
أخرجه أبو نعيم في الحلية (2/256) وابن أبي شيبة (7/193 برقم 35168)، وحنبل في جزئه (برقم39)، والبيهقي في المدخل (برقم395) من طريق عبد الواهب الثقفي، وحماد بن زيد، عن أيوب بن أبي تميمة [كيسان] عن أبي قلابة.
وقد جاء في المصنف والحلية: عن أيوب عن كتاب أبي قلابة، والصواب ما أثبته.
(3)
مفتاح دار السعادة (1/451 ط: دار ابن عفان).
(4)
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن (ص45): (فإن الفهم للواقع عند أهل العلم ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: فهم لواقع ينبني عليه الحكم الشرعي، فهذا لا بد منه، وفهمه مُتعين، ومَن حَكم في مسألة دون أن يفهم واقعا فقد أخطأ، فإذا كان للواقع أثر في الحكم فلابد من فهمه. القسم الثاني: واقع لا أثر له في الحكم الشرعي، فإنه يكون من واقع كيت وكيت، وكذا وكذا، وقصصا طِوالا.. ولكن لا أثر لذلك الفهم، ولتلك القصص، ولتلك الأحوال؛ لا أثر لها في الحكم الشرعي أبدا)اهـ. ينظر للفائدة كتاب إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية (4/ 204-228).
قلت: أما ما يشترطه بعضُ الحركيين من أن يكون العالم خبيرا بهراء الجرائد على كثرتها، وتلوّن أخبارها، وتدليسها، وعاكفا على تتبع أخبار القنوات الفضائية، وغارقا في الاستماع إلى التحاليل السياسية، فهذا شيء باطل لا يقوله عاقل والله المستعان.
(5)
مقدمة رفع الملام عن أئمة الأعلام.
(6)
قلت: صدق رحمه الله، فكأنّه يصف العواصف التي ضربت بلدي الجزائر، والبدع والحزبيات التي ظهرت بعد ما غُيِّب العلماء بعلة محاربة الوهابية الوهمية والله المستعان.
(7)
درر السلوك (ص:119-120-121-122).
(8)(28/387-388).
(9)
رواه الإمام أحمد (5/234)، وأبو داود (برقم 2515)، والنسائي في الكبرى (برقم 8730)، وفي المجتبى (6/49- 7/155)، والطبراني في الكبير (20/91)، وفي مسند الشاميين (برقم 1159)، والبيهقي (9/168)، وابن أبي عاصم في الجهاد (برقم133)، وأبو نعيم في الحلية (5/220) وقال عنه: “غريب من حديث خالد، عن أبي بحرية، وحسّنه العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في الصحيحة (برقم 1990).
(10)
مجموع الفتاوى (28/43)، وهذا ظننا بعلمائنا الأماجد الذين مرّ ذكرهم.
(11)
الدرر السنية (14/438- كتاب النصائح).
(12)
تفسير القرآن العظيم (6/324 ط: أولاد الشيخ).
(13)
قلت: إن كمية المطر ثابتةٌ منذ أن خلق الله الخلق إلى قيام الساعة، ولكنها تحبس عن الخلق، وتصرف إلى الفيافي والقفار بسبب المعاصي والذنوب، فقد جاء عن عبد الله بن عباس أنّه قال: (ما من عام بأكثر مطرا من عام ولكنّ الله يصرِّفه بين خلقه حيث يشاء، ثم قرأ ﮋ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًاﮊ الفرقان: ٥٠) أخرجه ابن جرير في تفسيره والحاكم بإسناد صحيح، وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (..وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار).
قلت: ومنذ أن أعلن حاكم البلاد وفقه الله إلى طاعته عن المصالحة الوطنية، وانحصرت أعمال القتل والتدمير والعنف، وهي إن شاء الله وبالعون الله إلى أفول جاءنا نصيبنا من المطر والخير الذي حُبس عنّا لسنوات عديدة بسبب المعاصي والفتن، فللّه الحمدُ والمنّة.
(14)
بدائع التفسير (2/234 جمع يسري السيد).
(15)
مجموع الفتاوى (35/83).
(16)
صحيح البخاري (برقم2886).
(17)
يخيل للجهال بأحكام الشريعة والعارفين بفن الإقتصاد أن اقتصاد الإمريكان مزدهر، وهو في الحقيقة اقتصاد بنيّ على الربا والقروض الرباوية المحرمة، وما يفتأ أن يصل إلى طريق مسدود، لأن نهاية الربا إلى قلّ كما قال صلى الله عليه وسلم، وهذا الاقتصاد الوهمي سيجعل العالم يتخبط في أزمة خانقة، تهتزل منها مفاصل الدول الضعيفة.
(18)
صحيح مسلم (برقم2063 كتاب الأشربة، باب: المؤمن يأكل في معي واحد)، وهو في صحيح الإمام البخاري مختصرا (برقم 5396).

من شبكة سبل السلام السلفية

One response to “رسالة إلى الدول الإسلامية رؤساء ومحكومين:توبوا إلى الله جميعا وحاسبوا أنفسكم، وحكّموا شرع الله حقًا إذا أردتم أن تجنبوا أوطانكم الفتن والقتل والدمار والثوارات

  1. رشد 21 سبتمبر 2014 الساعة 07:29

    قال الشيخ محمد بن سليم اللمبوري رحمة الله عليه: إياكم والكبر، فإن الكبر من علامات أهل الأوثان وليس من صفات أهل الإيمان.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: